اعرف


في الذكرى الخامسة عشرة للثورة، يبدو الميدان وكأنه يرتدي حلّة ليست له، كأنه ليس المكان الذي هتف مئات الآلاف بداخله "عيش حرية عدالة اجتماعية" قبل سنوات؛ تحت مسمى "التطوير" أُزيلت آثار الثورة والأهم تقلصت المساحات التي قد تسمح بتجمعات تالية؛ وهو ما توضحه #متصدقش في التقرير التالي، اعتمادًا على صور أقمار صناعية، ودراسات بحثية، وخبراء معماريين


كيف تغيّر رمز الثورة؟ 20% من مساحة ميدان التحرير مفقودة تحت مسمى "التطوير"

Jan. 26, 2026 - سياسي
كيف تغيّر رمز الثورة؟ 20% من مساحة ميدان التحرير مفقودة تحت مسمى "التطوير"
ميدان التحرير
الإدعاء

➖ في الذكرى الخامسة عشرة للثورة، يبدو الميدان وكأنه يرتدي حلّة ليست له، كأنه ليس المكان الذي هتف مئات الآلاف بداخله "عيش حرية عدالة اجتماعية" قبل سنوات؛ تحت مسمى "التطوير" أُزيلت آثار الثورة والأهم تقلصت المساحات التي قد تسمح بتجمعات تالية؛ وهو ما توضحه #متصدقش في التقرير التالي، اعتمادًا على صور أقمار صناعية، ودراسات بحثية، وخبراء معماريين:⬇️⬇️

نتيجة التحري

📌 صباح السبت 29 يناير 2011، مر مصطفى محيي (27 عاما وقتها) عبر شارع القصر العيني -بالعاصمة القاهرة- ليدخل ميدان التحرير لأول مرة منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وقد أحاطت به آثار الدمار من كل جانب، وفي الميدان وقف إلى جانب المتظاهرين محاطًا بالدبابات التي تراقب الوضع ولا تشتبك معه، وحوله العشرات يتناقشون فيما ستؤول إليه الأوضاع بعد الليلة الدامية التي عاشوها.. جمعة الغضب.

◼️ بعد خمسة عشر عامًا ما زال أكثر ما يتذكره من الثورة هو هذا المشهد، "لسة الدخان الأسود طالع من مبنى الحزب الوطني، ولسة عربيات الشرطة المحترقة موجودة حوالين الميدان وبامتداد شوارع وسط البلد.. كإني لسة شايفه امبارح"، يقول محيي لـ#متصدقش.

➖ في الذكرى الخامسة عشرة للثورة، يبدو الميدان وكأنه يرتدي حلّة ليست له، كأنه ليس المكان الذي هتف مئات الآلاف بداخله "عيش حرية عدالة اجتماعية" قبل سنوات؛ تحت مسمى "التطوير" أُزيلت آثار الثورة والأهم تقلصت المساحات التي قد تسمح بتجمعات تالية؛ وهو ما توضحه #متصدقش في التقرير التالي، اعتمادًا على صور أقمار صناعية، ودراسات بحثية، وخبراء معماريين:⬇️⬇️

⭕ "التحرير" يضيق على ثواره.. 20% من المساحة فُقدت في 15 سنة

◼️ لفهم ما حدث في الميدان عبر سنوات، حددنا المساحة التي لم تعد متاحة للجمهور عبر "جوجل إيرث"، واعتمادًا على صور للميدان أثناء الثورة، قمنا بتحديد المساحة التي كانت متاحة للمتظاهرين من الميدان وقت الثورة.

◼️ مع استبعاد أماكن مثل سطح جراج التحرير (كان تحت الإنشاء ومساحته مغلقة وقتها) والمساحة المفتوحة أمام مجمع التحرير، والتي كانت مليئة بالمتظاهرين في صور وخالية منهم في أخرى، بلغت مساحة الميدان الإجمالية  نحو 22 ألف و221 مترًا مربعًا.

◼️ بناءً على ملاحظة التغييرات بالميدان، يمكن تحديد مكانين رئيسيين أصبحا مغلقين أمام المتظاهرين، "صينية الميدان" بمساحة نحو 2.98 ألف متر مربع، ومنطقة استراحة أمام مجمع التحرير بمساحة 1.54 ألف متر مربع ما يجعله يفقد حوالي 4.5 ألف متر مربع ( تُقدّر بـ 20.3% من مساحته.

◼️ يعني ذلك أن ميدان التحرير لا يمكنه أن يسع العدد نفسه من المتظاهرين الذين ملؤوا ساحات الميدان في يناير وفبراير 2011.

◼️ بالنسبة لمحيي "لم يكن الميدان مجرد مكان للتظاهر، بل مساحة لإجراء فعاليات ثقافية لم تعد متاحة حاليًا دومًا، ولا حتى تجمعات على المستوى الاجتماعي إن الناس تخرج تتفسح فتقعد في الميدان تشم هوا".

⭕  من حلم "النصب التذكاري لشهداء الثورة" إلى "البلوكات الخرسانية" 

◼️ في 10 فبراير 2011، قبل يوم من تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، أقام متظاهرون بميدان التحرير، في لفتة رمزية، نصبًا تذكاريًا لشـ.هداء "يناير"، على مساحة أربعة أمتار، وضعوا فيها صور الشـ.هداء، وحولها ورود وشموع.

◼️ استمرت المطالبات بوجود نصب تذكاري لـ"الشـ.هداء" حتى أقام المجلس العسكري وقت إدارته لشؤون البلاد بعد تنحي مبارك، مسابقة لتصميم "النصب"، ولكن لم يعلن عن نتائجها لضعف الأعمال المتقدمة، بحسب جريدة الأهرام.

◼️ ظلت فكرة إقامة النصب التذكاري مجمدة، حتى رحيل الرئيس الأسبق مرسي عن الحكم، وفي 19 نوفمبر 2013، وضع عدد من المسؤولين على رأسهم رئيس الوزراء حينها حازم الببلاوي، حجر الأساس لـ"شـ.هداد ثورتي 25 يناير و30 يونيو..والجيش والشرطة".

◼️ وقال الببلاوي في كلمته في احتفالية وضع حجر الأساس، "إن وضع حجر الأساس للنصب التذكاري للشهداء بميدان التحرير يبعث برسالة إلى شـ.هداء الوطن الأبرار بأن الشعب لن ينسى تضحياتهم أبد الدهر، حيث تم تخليد أسمائهم بحروف من نور، لأنهم ضحوا بأرواحهم من أجل أن تعيش الأجيال القادمة في عزة وكرامة".

◼️ في 13 يناير 2015 قبل 12 يومًا من الذكرى الرابعة للثورة، أُزيل حجر الأساس، وأوضح نائب محافظ القاهرة وقتها للمنطقة الغربية اللواء محمد أيمن عبد التواب في تصريحات صحفية، أنه سيُقام بدلًا منه قاعدة ضخمة تُكتب عليها أسماء "الشـ.هداء"، وعليها علم ضخم لمصر.

◼️ لم يصمد "العلم" آخر ما تبقى من فكرة "النصب التذكاري" كثيرًا، وفي أكتوبر 2019 أُزيل ضمن خطة "تطوير"، تشمل وضع مسلة في الميدان بدلًا من العلم.

◼️ "صينية التحرير" بوسط الميدان بعد أن كانت مقر تجمع المتظاهرين في يناير وما تلاها، تغيّرت ملامحها.

◼️ في أغسطس 2019، كانت صدرت "تكليفات" من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بالبدء في "تطوير" ميدان التحرير في إطار تطوير القاهرة التاريخية، وفي الشهر التالي بدأت شركة المقاولون العرب العمل؛ أُزيلت السارية وأُغلقت "الصينية" واستغرق العمل عشرة أشهر بتكلفة 150 مليون جنيه.

◼️ العمل شمل تجميع مسلة رمسيس الثاني ونقلها من منطقة صان الحجر الأثرية بمحافظة الشرقية بدلتا مصر إلى "الصينية"، ونقل 4 كباش من الفناء الأول خلف معبد الكرنك بمحافظة الأقصر جنوبي صعيد مصر لتستقر حولها، وأثار القرار الجدل؛ لاحتمالية تأثر الكباش بالملوثات والبعد عن بيئتها الصحراوية الجافة.

◼️ إلى جانب الصينية، شُيّدت "بلوكات خرسانية" متراصة إلى جانب بعضها، وبالرغم من أن هدفها المعلن هو تخصيصها كـ "أماكن الجلوس" وفق ما هو متاح في وصف المشروع على موقع شركة المقاولون العرب.

◼️ إلا أنه أحيانًا ما كان يواجه المواطنين تعنت من قبل الأمن في الجلوس عليها، وهو ما حدث مع محرر #متصدقش في عام 2021، والباحثة العمرانية مريم عبد العظيم أثناء إعداد أطروحتها للدكتوراه عن التحولات التي جرت على ميدان التحرير على مدار 150 عامًا، في ديسمبر 2020 ويناير 2021 وهو ما وصفته بأنه "انتقاء من الأمن" لمن يتم منعه أو السماح له بالجلوس على كراسي الميدان.

⭕ "لا ينتمي إلى الناس"

◼️  يرى المؤرخ خالد فهمي، الذي شارك في ثورة 25 يناير، في تصريحات لوكالة الأنباء "رويترز" في أغسطس 2020 أن "الرسالة الأساسية التي يراد إيصالها من تغيير ملامح الميدان أنه أصبح لا ينتمي للناس، بل هو للدولة وحدها".

◼️ تؤكد الباحثة مريم عبد العظيم في أطروحتها للدكتوراه من معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا التي نشرتها في ديسمبر 2021، وفق مقابلة سابقة أجرتها مع مديرة مشروع تطوير ميدان التحرير، أن مكتب شهاب مظهر مصمم الميدان بشكله الجديد، وضع خيارين أمام الحكومة: الأول تحويله لمساحة مفتوحة للمواطنين للتريض والحركة وإقامة منشآت ترفيهية بجواره، وهو ما قوبل بالرفض للرغبة في الحد من تواجد المواطنين بالميدان.

◼️ الخيار الثاني (الشكل الحالي) هو ما تم الموافقة عليه وتنفيذه، وهو خيار لا يلائم طبيعة الميدان وسياقه التاريخي، وفقًا لخبيرين تحدثت إليهما.

◼️ المعماري الراحل طارق أبو النجا قال إن وضع المسلة على قاعدة، تقليد رديء للميادين الأوروبية في القرن التاسع عشر وينافي تاريخ المسلات التي لم يضعها المصريون القدماء على قاعدة قط، وفق مقابلة لـ "عبدالعظيم" معه خلال الأطروحة.

◼️ الباحث والمصمم العمراني أحمد زعزع، بدوره قال لـ#متصدقش إنه على الرغم من تحفظه على تلك التفصيلات الفنية إلا أنها لا ترقى في رأيه لـ"تشويه تاريخي"، لأن في النهاية فإن الشكل العام مقبول للجمهور.

⭕ استنفار أمني

◼️ التغيير الشكلي صاحبه تعزيز للتواجد الشرطي بالميدان ومحيطه، إلى جانب تولي أفراد من الشركة الأفريقية للأمن والحراسة التي تتولى تأمين الأحداث الرياضية وسبق لفرد منها الاعتداء على مصور صحفي بأحد المباريات في يوليو 2024، حراسة الصينية ومحيط الميدان بعد التطوير.

◼️ هذا الاستنفار ظهر جليًا مع دعوات التظاهر في أواخر سبتمبر 2019، حينها قامت قوات الشرطة باستيقاف المواطنين وتفتيش هواتفهم بميدان التحرير وغيره -وهو ما تكرر لاحقًا في أكثر من مرة- إلى الحد الذي دفع المجلس القومي لحقوق الإنسان (الذي يصدر بتشكيله قرارًا من رئيس الجمهورية) إلى إصدار بيان في 3 أكتوبر 2019 يدين فيه "الإجراءات التعسفية المخالفة للدستور" بحق المواطنين من التوسع في توقيفهم وفحص هواتفهم.

◼️ تكرر الأمر على سبيل المثال مع دعوات التظاهر يوم 11 نوفمبر 2022، وفق حديث مواطنين لموقع "درج"، ومظاهرات دعم غـ.زة التي انطلقت في أكتوبر 2023 وفق تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش. 

◼️ "لقد أُعيدت صياغة الميدان من ساحة للتجمع إلى واجهة عرض، يستمتع برؤيته السائح الساعي لمنظر جمالي، أما من الناحية السياسية فقد أصبح بيئة معادية للنشاط الجمعي، وهو ما يُعرف بالحوكمة من خلال التجميل أي استخدام التجميل لفرض السيطرة"، هكذا وصفت دراسة نشرتها مجلة "أوربان ساينسز"  Urban sciences (مجلة محكمة تصدر شهريا على قاعدة MDPI العلمية) في يناير 2026، ميدان التحرير حاليًا.

◼️ وفي حين أن الباحث زعزع لا يتفق مع الطرح القائل بأن التغييرات "محت هويته" أو "محت آثار الثورة" وخصوصًا أن كل التغييرات الجوهرية حدثت في "الصينية" ولم تمتد لباقي الميدان، وأنه إن كانت هناك نية لمحو هويته تمامًا لكان سيتم التعامل معه بشكل مختلف كما حدث مثلا مع مقابر القاهرة التاريخية.

◼️ إلا أنه يرى أن المشكلة الأساسية هي أن "التطوير" أغلق مساحات كان من الممكن أن تُستغل كفراغ عام لمواطنين كانت تجد فيه متنفسًا للحركة، ويرى ضرورةَ  أن "يُعاد استغلاله ويُعاد كمان رؤيته إنه يبقى فعلاً فراغ عام مستغل وبيحصل فيه أنشطة كتير…  مش محتاجين إننا نتكسف خالص من الشعب بتاعنا".

◼️ اليوم وقد بلغ عمره 42 عامًا، أصبح الميدان بالنسبة لمحيي أبعد ما يكون عن هويته السابقة كمساحة احتضنت حدث كالثورة، ليس لتغيير ملامحه العمرانية، ولكن "لأنه أصبح مساحة طاردة للناس".

آخر التحقيقات