📌 بينما تتجه الحكومة إلى تقديم إطار أكثر شمولًا لعرض بيانات الموازنة، تشير بيانات موازنة العام المالي 2027/2026 إلى استمرار تمتع الهيئات الاقتصادية بدرجة كبيرة من الاستقلال المالي، مع توسع في الاستثمارات الممولة بالدين حتى بلغ رصيده 5.29 تريليون جنيه بنهاية سبتمبر 2025، وهو ما تزامن مع تزايد حجم الالتزامات الواقعة على الخزانة العامة، التي تضمن قروض “الهيئات”.
➖ يطرح ارتفاع رصيد دين الهيئات، والذي يبلغ نحو ربع إجمالي رصيد الدين العام، تساؤلات حول جدوى الموازنة الموحدة، قبل معالجة سياسة الاعتماد على الدين لدى “الهيئات”، وهو ما ترصده منصة “#متصدقش” في التقرير التالي:⬇️⬇️
⭕ وحدة موازنة “على الورق”
◾ منذ سنوات طويلة، يطالب خبراء الاقتصاد الحكومة المصرية بالالتزام بمبدأ “وحدة الموازنة وشموليتها”، الذي ينص على إدراج جميع إيرادات الدولة ونفقاتها في موازنة واحدة، مهما تعددت مصادرها أو جهاتها أو أوجه إنفاقها، على أن تُعرض بالكامل على السلطة التشريعية لإقرارها.
◾ وتعود جذور الأزمة إلى حين إنشاء الهيئات الاقتصادية بموجب القانون رقم 11 لسنة 1979؛ إذ جرى فصل موازنات هذه الهيئات عن الموازنة العامة للدولة، باعتبارها موازنات مستقلة.
◾ وبموجب القانون اقتصرت العلاقة بين الهيئات وبين الخزانة العامة على الفوائض التي تؤول للدولة من بعض هذه الهيئات، مع منحها صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها المالية والإدارية بصورة شبه مستقلة، مع السماح للخزانة العامة بدعم الهيئات المتعثرة.
◾ وخلال السنوات الماضية، توسعت هذه الهيئات بشكل ضخم في الاستثمار وإقامة المشروعات؛ فأنشأت هيئات الكهرباء محطات توليد عملاقة، بينما نفذت “القومية للأنفاق” مشروعات المونوريل والقطار الكهربائي، كما توسعت “المجتمعات العمرانية” في مشروعات الإسكان الفاخر والتنمية العقارية.
◾ واعتمدت هذه الهيئات بشكل أساسي على الاقتراض بضمان وزارة المالية والموازنة العامة، ما ساهم في تضخم الدين العام والخارجي، في وقت عانت فيه هيئات عديدة من خسائر وأعباء تمويلية متزايدة، نتيجة عدم قدرتها على تمويل أنشطتها من مواردها الذاتية، أو تحقيق إيرادات تكفي لتغطية تكاليفها المتصاعدة.
◾ ووصل إجمالي الدين العام المستهدف إلى 22 تريليون جنيه في موازنة العام المالي المقبل 2027/2026، فيما بلغ رصيد الدين الخارجي 163.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، بحسب بيانات البنك المركزي ووزارة المالية.
◾ في أبريل 2024، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القانون رقم 18 لسنة 2024، بتعديل بعض أحكام قانون المالية العامة الموحد.
◾ وتزامن ذلك مع تكرار صندوق النقد الدولي مطالبته للحكومة بتوسيع نطاق المالية العامة، وبإدراج الهيئات الاقتصادية ضمن مؤشرات “الحكومة العامة”، بما يسمح بإظهار الصورة الكاملة للعجز والدين والإنفاق العام، وذلك بعد العودة للاقتراض منه عقب الأزمة الاقتصادية في عام 2022.
◾ وبموجب هذا التعديل، بدأت وزارة المالية، اعتبارًا من موازنة 2025/2024، إعداد ما يسمى “موازنة الحكومة العامة”، التي تتضمن تجميع البيانات المالية لـ59 هيئة اقتصادية موزعة على 12 قطاعًا مختلفًا،إلى جانب الموازنة العامة للدولة.
◾ لكن السؤال ظل قائمًا: هل يعني ذلك أن الهيئات الاقتصادية اندمجت فعليًا داخل الموازنة العامة؟
◾ تكشف بيانات الموازنات الثلاث التي صدرت منذ هذا التعديل أن ما حدث لم يتجاوز إلى حد كبير “لعبة محاسبية”.
◾ وسبق أن شبّه الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري لمجلس الوزراء د.مدحت نافع ما جرى في ملف ضم الهيئات بمثال الشركة القابضة وشركاتها التابعة، موضحًا أن ما حدث “يفرغ فكرة وحدة الموازنة من مضمونها المقصود به الحوكمة والسيطرة والترشيد، لأن كل موازنة ستُعد بشكل مستقل، ويتم الجمع في العرض فقط، وبالتأكيد لن تخضع الهيئات لجمعية عمومية واحدة برئاسة وزير المالية مثلًا للتوجيه”.
◾ ومنذ ذلك الحين، استمرت الهيئات الاقتصادية في العمل بالآليات نفسها تقريبًا، دون تغيير جوهري في طريقة إدارتها أو تمويلها، بينما واصلت ديونها المضمونة سياديًا التضخم بوتيرة متسارعة.
◾ فبعدما كانت قيمة الضمانات الحكومية الصادرة لصالح الهيئات الاقتصادية تعادل نحو 3.4 تريليون جنيه في عام 2024/2023، ارتفعت خلال ثلاثة أعوام فقط بنحو 59% لتصل إلى 5.29 تريليون جنيه بحلول سبتمبر 2025، بحسب بيانات وزارة المالية.
⭕ قطار الاستثمارات مستمر اعتمادًا على الديون
◾ يكشف البيان الإحصائي لموازنة 2027/2026 عن قفزة كبيرة في الاستخدامات الاستثمارية للهيئات الاقتصادية، إذ ارتفعت الاستثمارات المستهدفة من نحو 500.9 مليار جنيه في موازنة 2026/2025 إلى 743.1 مليار جنيه في مشروع الموازنة الجديدة، بزيادة بنسبة 48.3%
◾ ورغم امتلاك عدد من الهيئات الاقتصادية لموارد ضخمة، مثل هيئة المجتمعات العمرانية وهيئة قناة السويس، فإن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات لا يزال يعتمد على التمويل بالقروض والتسهيلات الائتمانية، وليس على الموارد الذاتية.
◾ وتعتمد الهيئات الاقتصادية في تمويل هذه التوسعات على الاقتراض المحلي والخارجي؛ إذ تستهدف الحصول على نحو 185.6 مليار جنيه قروضًا محلية، إلى جانب 273.2 مليار جنيه قروضًا خارجية، بإجمالي يقترب من 459 مليار جنيه كقروض مباشرة، ومع ذلك، هذا الرقم لا يمثل إجمالي الاقتراض المستهدف خلال العام.
◾ فعند إضافة أدوات التمويل الأخرى، مثل إصدار الأوراق المالية والتسهيلات الائتمانية، يرتفع إجمالي الاقتراض وإصدار أدوات الدين المستهدف للهيئات الاقتصادية إلى نحو 816.4 مليار جنيه خلال العام المالي 2027/2026، بحسب بيانات “موازنة الحكومة العامة”.
⭕ العزف على متن “تايتنك”: الحكومة تعترف بخطر ديون الهيئات.. ومع ذلك تستمر
◾ قد يبدو لافتًا ومستغربًا أن تقارير الموازنة، التي تتضمن خططًا لزيادة استثمارات الهيئات الاقتصادية واقتراضها خلال العام المقبل، تتضمن في الوقت نفسه تحذيرات صريحة من مخاطر هذا المسار.
◾ إذ تقول وزارة المالية نصًا: “من الضروري والهام اتباع سياسة للتعامل مع إصدار الضمانات الحكومية، بما يضمن أن الاقتراض الذي يتم بضمانات حكومية سيتم توجيهه لتمويل مشروعات هامة واستراتيجية ذات جدوى، مع التأكد من قدرة المقترض على خدمة هذا الدين من الموارد الذاتية قدر الإمكان على المدى المتوسط”.
◾ في البيان المالي لمشروع الموازنة العامة 2025/2026 تقول وزارة المالية: “إن التسهيلات والديون المضمونة من الخزانة العامة، هي من أهم مصادر المخاطر التي تتعرض لها المالية العامة”.
◾ كما تقول الوزارة في تقرير العام المالي المقبل إن “بيانات الضمانات الحكومية تكشف عن تركز كبير للديون المرتبطة بالهيئات الاقتصادية في عدد محدود من الجهات”، موضحة أن صافي رصيد الضمانات الحكومية الصادرة حتى 30 سبتمبر 2025 بلغ نحو 5.29 تريليون جنيه.
◾ وتُظهر “البيانات” تَركُز الضمانات عند هيئات محددة؛ تستحوذ على سبيل المثال الهيئة المصرية العامة للبترول وشركات الكهرباء وحدهما على نحو 65% من إجمالي الضمانات الحكومية، بواقع 3.1 تريليون جنيه.
◾ ويأتي بعدهما قطاع النقل، الذي يستحوذ على نحو 13% من إجمالي الضمانات، عبر الهيئة القومية للأنفاق والهيئة القومية لسكك حديد مصر، بإجمالي يقترب من 675 مليار جنيه.
◾ وحتى “المجتمعات العمرانية”، التي تعد واحدة أكبر جهة مالكة للأراضي في مصر، وتحقق إيرادات ضخمة من بيع الأراضي والمشروعات العقارية، لم تكن بعيدة عن الاعتماد على الاقتراض المضمون حكوميًا، إذ بلغ رصيد الضمانات المرتبطة بها نحو 381 مليار جنيه.
◾ ومع الأخذ في الاعتبار أن جانبًا كبيرًا من هذه الالتزامات المضمونة من الحكومة مقوم بالعملة الأجنبية، ما يتسبب في زيادة تأثر المالية العامة تجاه تقلبات سعر الصرف والتعويم، ويؤدي إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي.
◾ سبق أن كشفت بيانات موازنة 2024/2023 أن القروض الخارجية شكلت نحو 60 مليار دولار من إجمالي الديون المضمونة، بينما لم تعد الموازنات اللاحقة تنشر تفصيلًا واضحًا لحجم القروض الخارجية المضمونة حاليًا.
⭕ بعد منح الهيئات حرية الاقتراض والاستثمار.. خسائر وعجز
◾ تكشف بيانات السنوات الماضية أن كثيرًا من الهيئات الاقتصادية، وحتى عندما تحقق أرباحًا من نشاطها الأساسي، فإن هذه الأرباح لا تكون كافية لتغطية التزاماتها المتزايدة.
◾ كما تبدو محدودة مقارنة بحجم الأعباء والخسائر الإجمالية، نتيجة التوسع الضخم في الاستثمارات والمشروعات، والاعتماد المتزايد على الاقتراض، خاصة الخارجي، لتمويل تلك التوسعات.
◾ على سبيل المثال، في موازنة 2027/2026، تستهدف الهيئات الاقتصادية تحقيق إيرادات تبلغ نحو 5.086 تريليون جنيه، لكنها في المقابل تتوقع أن تصل مصروفاتها إلى نحو 5.495 تريليون جنيه، بما يعني تسجيل عجز كلي يقترب من 409.3 مليار جنيه.
◾ ورغم أنه من المتوقع أن يؤول من الهيئات الاقتصادية إلى الموازنة العامة والخزانة العامة للدولة نحو 408.8 مليار جنيه، في صورة ضرائب وفوائض وأرباح محولة، يأتي معظمها من الهيئة العامة للبترول وهيئة قناة السويس وهيئة المجتمعات العمرانية، فإن الموازنة العامة تقدم في المقابل للهيئات الاقتصادية دعمًا ومساهمات وتحويلات أكبر من ذلك بكثير.
◾ فبحسب البيانات الرسمية، يبلغ ما يتاح من الموازنة العامة للهيئات الاقتصادية نحو 570.3 مليار جنيه، ما يعني أن صافي العلاقة بين الطرفين يصب في صالح الهيئات الاقتصادية بنحو 161.5 مليار جنيه من الموازنة العامة للمواطن.
◾ وتعد الهيئة القومية للأنفاق والهيئة القومية لسكك حديد مصر من أبرز الجهات التي تعتمد على الدعم الحكومي، نتيجة التكلفة الضخمة للمشروعات التي تنفذها، إلى جانب الخسائر التشغيلية المزمنة وارتفاع أعباء خدمة الديون.
◾ لكن حتى هذا الدعم لا يبدو كافيًا لوقف نزيف الخسائر المتراكم داخل عدد من الهيئات الاقتصادية.
◾ فقد بلغ قيمة بند “الأعباء والخسائر” ضمن تكاليف ومصروفات الهيئات نحو 374 مليار جنيه، وحتى مع احتساب الإيرادات والمنح والدعم الحكومي وبقية البنود المختلفة، ظلت الهيئات خاسرة، إذ بلغ إجمالي خسائر العام، أو ما يسمى “عجز النشاط”، نحو 96.9 مليار جنيه، بحسب “البيان الإحصائي”.
◾ وتبرز الهيئة القومية لسكك حديد مصر، والهيئة القومية للأنفاق، وهيئات الكهرباء، والهيئة الوطنية للإعلام، بين أكثر الهيئات التي تعاني من خسائر تشغيلية وأعباء تمويلية مرتفعة، بحسب بيانات الدعم والخسائر الواردة في البيان الإحصائي.
⭕ هل مازالت “وحدة الموازنة” حلاً؟
◾ تكشف بيانات موازنة 2027/2026 أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالشكل المحاسبي لعلاقة الهيئات الاقتصادية بالموازنة العامة، بقدر ما ترتبط بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، القائم على التوسع المستمر في الاستثمار الممول بالقروض، وما ينتج عنه بعد ذلك من تحمل الموازنة العامة خدمة هذا الدين.
◾ فحتى إذا اتجهت الحكومة مستقبلًا، بدلًا من صيغة “الضم الشكلي” الحالية، إلى دمج فعلي كامل للهيئات الاقتصادية داخل الموازنة العامة.
◾ بحيث تخضع سياساتها المالية والاستثمارية بالكامل لرقابة وزارة المالية، وتدخل إيراداتها مباشرة إلى الخزانة العامة، وتصبح استثماراتها جزءًا من الخطة الاستثمارية الحكومية، مع تقليص مساحة استقلالها في الاقتراض والإنفاق. فإن كل ما سبق لن يكون كافيًا لحل الأزمة القائمة.
◾ إذ تشير البيانات الحالية إلى أن أعباء الهيئات من الديون والخسائر المتراكمة، يمكن أن تجعلها عبئًا إضافيًا على الموازنة إذا تم توحيدها فعليًا أكثر منها عاملًا إيجابيًا.
Jul. 15, 2026 - رياضة
Jul. 05, 2026 - سياسي
Jul. 05, 2026 - اقتصاد
Jul. 02, 2026 - اقتصاد
Jul. 01, 2026 - اقتصاد
Jul. 01, 2026 - سياسي
مَا من حوار مَعك بعدَ الآن يا محمد..
— متصدقش (@matsda2sh) December 5, 2022
بمزيد من الحزن والألم، ينعى فريق عمل "متصدقش"، صديقنا، وشريكنا المؤسس، الصحفي محمد أبو الغيط.
قاوم أبو الغيط، مرض السرطان، بصبر وشجاعة نادرة، ورضا بقضاء الله حتى آخر لحظة. pic.twitter.com/9lywyhUbzK