📌 لم تكن المأساة في حريق شقة أبراج المحمودية بالعمرانية يوم الخميس 9 يوليو 2026، ممثلة فقط في وفاة 5 أفراد من أسرة واحدة وإصابة 3 آخرين أو سقوط أحد الجثث متفحمة من نافذة الدور الثامن أو اضطرار الأم للقفز من الشرفة لتسقط جثة هامدة.
◾ بل أيضًا في تعامل الحماية المدنية مع الحادث سواء في تأخر وصولها أو وصولها بدون تجهيزات مناسبة، والذي كان -في حال تفاديه- يمكنه منع الكارثة بحسب شهادات الأهالي عبر فيس بوك، والمنصات الإخبارية.
➖ في التقرير التالي، واعتمادًا على تحليل بيانات الجهاز المركزي للإحصاء وتحليل صور الأقمار الصناعية وآراء الخبراء تحاول #متصدقش الإجابة عن السؤال: "لماذا تتأخر سيارات الإطفاء"؟:⬇️⬇️
⭕ وصول المطافي بعد دقيقتين.. وقد تصل المدة لساعة ونصف أحيانًا
◾ وفق آخر تحديث للجمعية الوطنية للحماية من الحرائق (منظمة غير ربحية تأسست أواخر القرن الـ 19) الصادر عام 2020، فإن معدل الاستجابة المثالي للحرائق من نقاط الإطفاء، يجب أن يكون 240 ثانية حتى وصول أول سيارة إطفاء وذلك في 90% من الحرائق التي تتعامل معها الحماية المدنية.
◾ وبالتطبيق على عدة مدن بالعالم نجد أن معدل الاستجابة قد يصل إلى 15 دقيقة، على سبيل المثال يبلغ 7 دقائق و42 ثانية في ولاية فيكتوريا بأستراليا، وفي مقاطعة "كنت" بالمملكة المتحدة يبلغ 9 دقائق للمناطق الحضرية و15 للريفية.
◾ وفي مصر سبق أن صرح وكيل الإدارة العامة للعمليات بالحماية المدنية، اللواء محمد جمال في عام 2015، أن معدل الاستجابة بعد تلقي نقطة الإطفاء للبلاغات هو دقيقتان.
◾ تقدم وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب إيهاب منصور، بسؤال برلماني إلى الحكومة يوم السبت 11 يوليو الجاري، بشأن وصول الإطفاء إلى موقع الحريق بعد أكثر من ساعة ونصف من اندلاعه، رغم وجود وحدة إطفاء على مسافة قريبة من مكان الحادث، بحسب السؤال.
◾ كانت شهادات أهالي المنطقة في تعليقات ومنشورات عبر فيس بوك، أشارت لتأخر وصول سيارات الإطفاء.
◾ تحققت "#متصدقش" بشكل مستقل من حقيقة قرب نقطة الإطفاء؛ إذ قمنا بمطابقة المعالم البصرية الظاهرة في فيديوهات الحريق بصور جوجل إيرث لنجد أن الحريق وقع عند إحداثيات 29.989813565, 31.20488524.
◾ أقرب نقطة إطفاء مجاورة للمكان هي نقطة إطفاء العمرانية والواقعة على بعد 2 كم فقط من البرج، تحديدا عند إحداثيات 29.99955, 31.20535.
◾ المشكلة الثانية التي أثارتها تعليقات الأهالي على فيس بوك وشهادة أحد شهود العيان في بث مباشر لموقع "القاهرة 24" هو وصول سيارة الإطفاء بدون سلم يصل للدور السابع.
◾ تحققنا بشكل مستقل من ذلك عبر مطالعة 7 فيديوهات للحريق أثناء اشتعاله من زوايا تصوير مختلفة ولم نرصد سلم إطفاء بجانب نوافذ الشقة.
◾ لاحقًا ظهرت إحدى الصور على فيس بوك بها سلم لكن يوضح التعليق الوحيد عليها أنه جاء بعد اشتعال الحريق، ترجح #متصدقش صحة هذا الادعاء إذ يظهر بالصورة أن ما تبقى من الحريق هو الدخان الناتج عن آثار الإخماد، كما يظهر بالصورة رذاذ الماء المندفع من خرطوم الإطفاء.
◾ لم يكن هذا هو الحريق الوحيد الذي تتأخر فيه الإطفاء، إذ تأخرت الإطفاء في حريق شارع "الرويعي" بالعتبة في مايو 2016 لمدة ساعتين، وفق شهود عيان لجريدة الوطن، والذي استمر لـ 24 ساعة وتسبب في وفاة 3 وإصابة 91 وحريق 200 محل و70 مخزن و40 شقة سكنية.
◾ كما تقدم النائب فريدي البياضي عضو مجلس النواب بالفصل التشريعي الماضي بسؤال حول تأخر سيارات الإطفاء لأكثر من ساعة خلال حريق كنيسة أبو سيفين بإمبابة في أغسطس 2022 والذي انتهى بوفاة 41 شخصًا.
⭕ نقطة إطفاء واحدة لكل 111 كم²
◾ تبرز الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مشكلة قلة عدد نقاط الإطفاء مقارنةً بالمساحة، وهنا اعتمدنا على "المساحة المأهولة" بالسكان في نشرة "مصر في أرقام"، وعدد نقاط الإطفاء بنشرة "حوادث الحريق".
◾ على سبيل المثال، عدد نقاط الإطفاء في عام 2025 بلغ 1016، بينما المساحة المأهولة بمصر في 1 يوليو 2025 بلغت 112622 كم مربع، أي أنه توجد نقطة إطفاء واحدة لكل 110.9 كم² تقريبًا.
◾ الأمر ينعكس أيضًا على المحافظات فمثلا القاهرة توجد بها نقطة إطفاء واحدة لكل 21 كم²، بينما تصل لنقطة واحدة لكل 43.6 كم² بالإسكندرية ونقطة لكل 90.4 كم² بالجيزة.
◾ وعلى الرغم من زيادة الرقم الإجمالي لنقاط الإطفاء على مدار السنوات إلا أن بعض المحافظات شهدت انخفاض بعدد النقاط فمثلا القاهرة انخفضت من 106 في 2020 إلى 91 نقطة في 2025، والإسكندرية انخفضت من 47 إلى 40 في نفس المدة.
◾ حتى مع زيادة محافظة مثل الجيزة فإن نسبة الزيادة في نقاط الإطفاء لم تتوافق مع الزيادة في المساحة المأهولة؛ إذ ارتفعت نقاط الإطفاء من 53 في 2020 إلى 59 في عام 2025 بنسبة 11.3% بينما المساحة المأهولة زادت من 1191 كم² إلى 5331.48 كم² أي بنسبة 347.6%.
◾ كما لاحظنا تهميش طال بعض المحافظات الحدودية ومحافظات القنال؛ إذ كانت أقل 4 محافظات في عدد نقاط الإطفاء: بورسعيد بـ14 نقطة، السويس 13، البحر الأحمر 12، شمال سيناء 4.
◾ بالنظر للمساحة المأهولة، فبورسعيد تمتلك نقطة إطفاء واحدة لكل 81.9 كم²، والسويس نقطة لكل 79 كم²، أما البحر الأحمر نقطة لكل 94.4 كم²، وتزداد المساحة لشمال سيناء فتصل إلى نقطة لكل 887.7 كم².
◾ يرى اللواء هشام طه مدير الحماية المدنية الأسبق بالوادي الجديد في تقرير للشروق نشر في يوليو 2025 أن عدد نقاط الإطفاء "مقبول"، لكنّه بحاجة إلى زيادة، مع تخصيص اعتمادات مناسبة لتوفير العدد الكاف من المعدات على أعلى مستوى واستبدال السيارات المتهالكة أولا بأول.
◾ جدير بالذكر أن متوسط عدد النقاط بالنسبة للمساحة في 79 مدينة كبرى حول العالم كان نقطة لكل 19.5 كم²، وفق تقرير "إحصائيات الحريق العالمية" المنشور في 2026 عن الرابطة الدولية لخدمات الإطفاء والإنقاذ (CTIF) (مؤسسة تضم دول وأفراد وشركات تعمل في مجال الإطفاء وتأسست في 1900 م).
⭕ ضيق الشوارع يفاقم الأزمة
◾ مع أن ضيق الشارع لم يكن عاملًا في حادث العمرانية إلا أن عرض الشارع وخصوصًا في المناطق غير المخططة يعوق حركة سيارات الإطفاء، فمثلًا لا يتجاوز عرض الشوارع الجانبية المجاورة لعمارة "المحمودية" 5 أمتار وفق لحسابات "#متصدقش" عبر جوجل إيرث.
◾ خلال حادث حريق كنيسة "أبو سيفين" كان الشارع يسع لسيارة واحدة فقط، مما تسبب في صعوبة دخول سيارات الإطفاء، وفق المصري اليوم والمنصة وفيديو من موقع الحادث اطلعت عليه #متصدقش.
◾ اللواء محمد سيد حسين نائب مدير الدفاع المدني سابقًا قال في تحقيق للأهرام في يونيو 2016 إن ضيق الشوارع يمثل مشكلة مهمة للإطفاء، كما أشار تقرير لليوم السابع بعد حريق الموسكي في مايو 2019 إلى ضيق الممرات والأزقة وامتلائها بالبضائع كأحد أسباب إعاقة الإطفاء.
◾ أشار الباحث والمخطط العمراني أحمد زعزع لـ"#متصدقش" إلى مشكلة أخرى وهي عدم الالتزام بالمسافة القانونية بين كل مبنى وسوره "الردود" والتي تسهل السيطرة على الحريق وتمنع امتداده من مبنى لآخر.
◾ يرى الباحث العمراني يحيى شوكت مدير "مرصد العمران" في تعقيبه لـ #متصدقش، أن المرافق والخدمات هي التي يجب أن تتكيف مع العمران وليس العكس، هو ما يتفق معه زعزع "حتى وإن كانت تلك المناطق غير مخططة"، على حد تعبيره.
◾ اتفق زعزع وشوكت أن الحل ليس إزالة تلك المناطق بدعوى كونها "غير مخططة"، ضاربين مثلا على ذلك بالمناطق التاريخية بالقاهرة الفاطمية والتي تحتوي على حواري ضيقة، "هل من المعقول هدمها لأن الإسعاف أو الإطفاء لن تصلها؟".
◾ يشير شوكت إلى تعطل سيارات المطافئ داخل الشوارع الواسعة مع الزحام، وهو ما يجعل الهدم حلًا غير عملي، مضيفا: "بالتأكيد هناك حد أدنى من تجهيزات الأمان لكن لا بد أن تكون منطقية وليست تعجيزية".
◾ ينطبق المبدأ نفسه على المباني مرتفعة الأدوار فإن التغاضي عنها بحجة ارتفاعها حتى وإن كانت مخالفة يشبه "الحكم بالإعدام" في رأي أحمد زعزع، ولا مانع من محاسبة المالك على المخالفة إن كانت سببا في الحريق لكن بعد إنقاذ.
◾ يرى زعزع أنه من الحلول غير المكلفة مد خطوط للإطفاء تحت الأرض تخرج منها "حنفيات الحريق" في بداية ونهاية الشارع لتجنب دخول السيارات، ومن الممكن حتى الاستعانة بخطوط مياه الشرب فيها.
◾ يتفق معه شوكت بطرح وجود "مواسير مخصصة للإطفاء" تصل إلى الأدوار العليا أو وحدات إطفاء خفيفة.
◾ أثار اللواء أيمن فؤاد مدير إدارة الإنقاذ النهري بالإدارة العامة للحماية المدنية سابقًا مشكلة غياب "الحنفيات" في تحقيق للأهرام نشر في مايو 2022، مشيرًا إلى أن سيارة الإطفاء المتوسطة تفرغ حمولتها من المياه كاملة في 8 دقائق.
⭕ ضعف الرقابة.. وقلة التحديث
◾ أشار تقرير سابق لـ"#متصدقش" إلى تصدُر المنشآت الصناعية أكثر فئات المنشآت المتعرضة لحرائق، في ظل عدم التزام المنشآت الصناعية بإجراءات الأمن والسلامة.
◾ يرى يحيى شوكت في حديثه لـ #متصدقش أنه من المهم تفعيل دور المجالس المحلية الشعبية في الرقابة على المباني، فهناك مثلا اتجاه لاستخدام مواد حديثة قابلة للاشتعال لكساء الواجهات، كما توجد مخازن بها كميات من البضاعة سهلة الاشتعال.
◾ كما لفت شوكت وزعزع في حديثهما إلى #متصدقش إلى ضرورة تحديث أدوات الحماية المدنية، والتعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية لتوفير حلول مناسبة للطبيعة العمرانية بمصر ودراسات الجدوى الاقتصادية لها.
◾ من تلك الحلول التي طرحاها تطوير السلالم أو تطوير سيارة 8 راكب وتخصيصها للإطفاء، توفير مُسيّرات "درونز" لإطفاء النيران في الأدوار العليا أو حتى طائرات الهليكوبتر أو "قنابل الحرائق" (كرة منفجرة مجهزة ببودرة إطفاء تسيطر على الحريق قبل التدخل البشري) وهي حلول مطبقة بالفعل في مدن تشبه عمران المدن المصرية، وفق شوكت.
◾ وحتى في مصر، نجحت إحدى الشركات الخاصة في تجهيز "تروسيكل" كوحدة إسعاف داخل منطقة "أرض اللواء" بالجيزة، وبالتالي ليس من الصعب تعميم التجربة للإطفاء، وفق زعزع.
◾ في 11 يوليو تقدم عضو مجلس النواب محمد عبدالعليم داود بطلب إحاطة إلى الحكومة بشأن "تراجع كفاءة أدوات الحماية المدنية، وغياب التكنولوجيا الحديثة في مواجهة الحرائق وتقاعس المحليات عن فحص السلامة الإنشائية والكهربائية للعمارات".
◾ من تلك التقنيات المسيرات والروبوتات الذكية القادرة على اقتحام النيران، وأنظمة الاستشعار والإنذار المبكر المرتبطة بغرف عمليات مركزية، وفق طلب الإحاطة.
◾ كما أشار إلى وجود "بطء شديد في استجابة سيارات الإطفاء لاتساع الرقعة الجغرافية" لمراكز كفر الشيخ وقراها و"نقص نقاط الحماية المدنية وتجهيزاتها الحديثة".
◾ جدير بالذكر أن إجمالي عدد حوادث الحريق بعد أن سجل 51.5 ألف حادثة في 2021، انخفض خلال السنوات اللاحقة ليصل إلى 46.9 ألف في 2024، إلا أنه عاد للارتفاع في 2025 بـ 51 ألف حادثة.
◾ وبالنظر لتوزيعها في 2025، نجد أن شهور الحرارة المرتفعة شهدت أعلى عدد حوادث وهي مايو بـ 5.8 ألف حريق، ثم يونيو بـ 4.8 آلاف ثم يوليو بـ 4.7 آلاف.
◾ أما عن أسباب الحدوث فتأتي "غير محددة الأسباب" أولا بـ 23.44 ألف حريق (46% من الحرائق) ويليها النيران الصناعية بـ 16 ألف ثم الماس الكهربائي بـ 9.15 ألف حريق.
Jul. 16, 2026 - موضوعات
Jul. 16, 2026 - اجتماعي
Jul. 15, 2026 - رياضة
Jul. 14, 2026 - سياسي
Jul. 13, 2026 - سياسي
مَا من حوار مَعك بعدَ الآن يا محمد..
— متصدقش (@matsda2sh) December 5, 2022
بمزيد من الحزن والألم، ينعى فريق عمل "متصدقش"، صديقنا، وشريكنا المؤسس، الصحفي محمد أبو الغيط.
قاوم أبو الغيط، مرض السرطان، بصبر وشجاعة نادرة، ورضا بقضاء الله حتى آخر لحظة. pic.twitter.com/9lywyhUbzK