اعرف


➖ تقدم منصة "#متصدقش" في التقرير التالي، قراءة في مسح البنك الدولي، وتقارير مؤشر مديري المشتريات الصادرة خلال شهري أبريل ومايو 2026، لنرصد الصعوبات التي تواجهها الشركات الصغيرة في القطاع الخاص المصري وأسبابها، وما أبرز الأزمات التي يواجهها، ومن يستفيد فعليًا من النمو القائم؟:⬇️⬇️


دراسة للبنك الدولي ترصد الاقتصاد المصري لـ"الكبار فقط" آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة تنكمش

Jun. 11, 2026 - اقتصاد
دراسة للبنك الدولي ترصد الاقتصاد المصري لـ"الكبار فقط" آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة تنكمش
نتيجة التحري

📌  نسمع ونقرأ يوميًا أخبارًا عن عدد محدود من الشركات المعروفة بالاسم، وربما لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، تعلن عن مشروعات بقيم تتجاوز تريليونات الجنيهات، ومبيعات تتجاوز التريليون، وقفزات في صافي الأرباح تتخطى 100% في بعض الحالات.

◾ تتماشى هذه الصورة المثالية مع ما تحب الحكومة تصديره عن وضع القطاع الخاص، وغالبًا ما تكون هذه الشركات على علاقة وثيقة بالدولة، سواء عبر شراكات مباشرة، أو من خلال الحصول على عقود ومشروعات حكومية ضخمة، لكن هل تعكس هذه الصورة حقيقة أوضاع القطاع الخاص في مصر؟

◾ يرسم مسح منشآت القطاع الخاص في مصر لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي صورة مختلفة تمامًا؛ وتحاول تلك المسوحات التي تُجرى سنويًا تقييم ما إذا كان القطاع الخاص في الدولة سيزدهر أم لا.

تقدم منصة "#متصدقش" في التقرير التالي، قراءة في مسح البنك الدولي، وتقارير مؤشر مديري المشتريات الصادرة خلال شهري أبريل ومايو 2026، لنرصد الصعوبات التي تواجهها الشركات الصغيرة في القطاع الخاص المصري وأسبابها، وما أبرز الأزمات التي يواجهها، ومن يستفيد فعليًا من النمو القائم؟:⬇️⬇️

⭕  صعوبات لا تُحصى.. الشركات الصغيرة تكافح من أجل البقاء

 ◾ صدر المسح في أبريل 2026، واعتمد على مقابلات مباشرة مع 1024 شركة مصرية أُجريت بين سبتمبر 2025 ويناير 2026، وشملت عينة البحث 515 شركة صغيرة، و322 شركة متوسطة، و187 شركة كبيرة.

◾ وأظهر المسح تسجيل الشركات انكماشًا حقيقيًا في المبيعات بنسبة 11.4% خلال عام 2025، على خلفية تراجع الطلب وارتفاع معدلات التضخم.

◾ وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها تقدم صورة شبه مباشرة عن واقع الشركات العاملة في السوق، بعيدًا عن نتائج أعمال عدد محدود من الشركات الكبرى أو البيانات الحكومية الرسمية.

◾ كما كشف المسح عن فجوة واسعة بين الشركات الكبيرة من جهة، والشركات الصغيرة والمتوسطة من جهة أخرى؛ إذ تتمتع الشركات الكبرى بميزات واضحة، في مقدمتها سهولة الحصول على التمويل، وسرعة الإجراءات الرسمية، والقدرة الأكبر على الوصول إلى الائتمان والتوسع.

◾  وفي المقابل، تواجه آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة ضغوطًا متزايدة، من ضعف الطلب وارتفاع التكلفة وصعوبة التمويل، بما يترجم إلى نمو وتمركز لدى الكبار، مقابل تباطؤ وانكماش لدى الصغار.

◼️ وتواجه الشركات مشكلة في الاقتراض نتيجة أسعار الفائدة المرتفعة. وخلال السنوات الماضية، بسبب الخفض المتكرر لقيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، والارتفاع القياسي في معدلات التضخم، زاد سعر الفائدة البنكية من 9.75% في 2015، إلى 19.75% في 2017.

◼️ وذلك قبل أن تعود للانخفاض تدريجيًا حتى 9.25% في نوفمبر 2020، لكنها عادت مرة أخرى للارتفاع مع الأزمة الاقتصادية الأخيرة في عام 2022، حتى وصلت إلى 28.25% بحلول مارس 2024، حتى وصلت إلى 20%.

◾ بدوره كشف تقرير مؤشر مديري المشتريات الصادر عن ستاندرد آند بورز جلوبال لشهر مايو 2026 أن شركات القطاع الخاص في مصر سجلت أسرع وتيرة لتسريح العمالة منذ يونيو 2020، خلال ذروة أزمة جائحة كورونا؛ إذ أشارت الشركات إلى لجوئها لتسريحات فعلية للعاملين، إلى جانب عدم شغل الوظائف الشاغرة، في ظل تراجع الطلب وارتفاع الضغوط التشغيلية.

⭕ الشركات تعاني من انقطاع الكهرباء والفساد

لتفسير أسباب هذا التراجع، تكشف استطلاعات رأي الشركات نفسها عن أزمة مركبة يواجهها القطاع الخاص، وهو ما يظهر بوضوح في نتائج كل من تقرير البنك الدولي وتقارير مؤشر مديري المشتريات، اللذين اعتمدا على استطلاع آراء أصحاب الشركات ومديري المشتريات بشأن أبرز التحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي.

في تقرير البنك الدولي، جاءت "الكهرباء" باعتبارها أكبر عقبة تواجه الشركات في مصر، وهو ما يتعارض مع التصريحات الحكومية المتكررة بشأن انتهاء أزمة انقطاع التيار وانتظام الإمدادات. 

ووفق الدراسة، اعتبرت النسبة الأكبر من الشركات أن الكهرباء تمثل المشكلة الرئيسية التي تواجه أعمالها، فيما كشف التقرير أن 35.6% من الشركات تعرضت لانقطاعات كهربائية، بمتوسط 4.2 انقطاعات شهريًا.

وتتسبب هذه الانقطاعات في تعطيل الإنتاج ورفع التكلفة التشغيلية وإرباك خطط التشغيل، بما ينعكس سلبًا على استقرار النشاط الصناعي والخدمي، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن خطط لمضاعفة الصادرات وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد بحلول عام 2030.

◾ وضمن العقبات الرئيسية أيضًا، جاء "الفساد" كأحد أبرز المشكلات التي تواجه الشركات؛ إذ قالت نحو 15% من الشركات إن الفساد يمثل العقبة الأكبر أمام أعمالها، بينما أوضحت 16.8% من الشركات أنها تتوقع دفع "هدايا أو مدفوعات غير رسمية" للحصول على تصاريح أو إنهاء بعض الإجراءات الحكومية.

كما أشار مسح البنك الدولي إلى معاناة الشركات الصغيرة والمتوسطة من عدم مساواة مع الشركات الكبيرة، في التعامل مع البيروقراطية، والتي جاءت ضمن أكبر العقبات أمام نمو الشركات.

فبحسب المسح، تحتاج الشركات المتوسطة في المتوسط إلى نحو 201 يوم للحصول على تصريح بناء واحد، بينما تنخفض المدة لدى الشركات الكبيرة إلى نحو 137 يومًا فقط.

◾ وهو ما يكشف عن فجوة واضحة في القدرة على التعامل مع الجهاز الإداري والحصول على الموافقات اللازمة للتوسع، ويُبقي كثيرًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة عالقة في حجمها الحالي دون فرصة حقيقية.

 معاناة الشركات مع التمويل.. 2.9% من الاستثمارات تمولها البنوك

◾ تكشف بيانات البنك الدولي عن فجوة كبيرة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة من ناحية، والشركات الكبيرة من ناحية أخرى، خصوصًا فيما يتعلق بإمكانية الوصول إلى التمويل.

◾ فبحسب المسح، يكاد التمويل البنكي يكون غائبًا عن أغلب الشركات؛ إذ أن 2.9% فقط من إجمالي الاستثمارات تم تمويلها عبر البنوك.

◾ وهو ما دفع الشركات إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على التمويل الذاتي؛ إذ أظهرت البيانات أن 88% من الاستثمارات جرى تمويلها داخليًا، سواء من الأرباح أو مدخرات المالكين والسيولة المتاحة لديهم، كما لجأت 36.8% إلى شراء مستلزمات الإنتاج من الموردين بالدين وتأجيل السداد.

  وكانت تقارير سابقة لـ"#متصدقش" قد أظهرت أن البنوك العاملة في مصر تفضل التوسع في إقراض الحكومة والاستثمار في أدوات الدين المحلي، باعتبارها “استثمارًا آمنًا ذا ربحية مرتفعة ومضمونة”. 

وخلال الأعوام الخمسة الأخيرة، ارتفعت استثمارات البنوك في أدوات الدين الحكومية بنسبة 178%، بعدما زادت من 2.8 تريليون جنيه في عام 2021 إلى 7.8 تريليون جنيه  في 2025.

إفراط الحكومة في الاقتراض من البنوك عبر أذون وسندات الخزانة يؤثر على حجم الائتمان (الأموال المتاحة) للقطاع الخاص، بما يمثل "منافسة ومزاحمة مباشرة للقطاع الخاص المتأزم بسبب حالة الركود" كما يظهر تقرير البنك الدولي.

عند النظر إلى محفظة الائتمان للبنوك، نجد أن الحكومة تسيطر على ما يُمثل 68.5% من إجمالي رصيد المحفظة بقيمة تعادل 9.72 تريليون جنيه، أي كل 100 جنيه تقرضها البنوك، يذهب 68.5 جنيه منها إلى الحكومة، بحسب أحدث تقرير استقرار مالي صادر عن البنك المركزي، يغطي حتى نهاية مارس 2025.

وقد بلغ نصيب القطاع الخاص، من "الائتمان" 31.5%، بما يعادل 4.47 تريليون جنيه ورغم تقلصها، فإن ذلك لا يعني أن جميع من يحصلون على تلك القروض على قدم المساواة؛ إذ تكشف بيانات "البنك الدولي” أن الفئات الصغيرة والمتوسطة من الشركات والمشروعات ليست المستفيد الأول. 

وأظهر التقرير أن الشركات الصغيرة تكاد تكون خارج دائرة التمويل البنكي؛ إذ إن نحو 3% فقط من الشركات الصغيرة لديها قروض مصرفية، بينما ترتفع النسبة إلى 27% لدى الشركات المتوسطة، و29% لدى الشركات الكبيرة.

◾ كما تكشف البيانات عن فجوة واضحة في تمويل الاستثمارات؛ إذ لم يمثل التمويل البنكي سوى 0.9% فقط من استثمارات الشركات الصغيرة، مقارنة بنحو 8.4% لدى الشركات المتوسطة، بينما ترتفع النسبة إلى 15.1% لدى الشركات الكبيرة، وهو ما يعكس فجوة تمويلية كبيرة تصب في صالح الشركات الكبرى، وتحد من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على التوسع والنمو.

⭕ والنتيجة؟ انكماش

◾ في مقابل صورة الأرباح الضخمة والنمو السريع التي تحققها مجموعة محدودة من الشركات الكبرى، تكشف بيانات البنك الدولي عن واقع مختلف تمامًا لبقية السوق؛ إذ أظهر التقرير أن نمو المبيعات الحقيقي للشركات في مصر سجل سالب 11.4%، مدفوعًا بمجموعة من الأزمات المتشابكة التي سبق عرضها، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بفعل التضخم وارتفاع الأسعار.

◾ وفي تقرير مايو 2026 تحديدًا، أشارت الشركات إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء، إلى جانب ضعف العملة، دفعها إلى رفع أسعار البيع بوتيرة شبه قياسية، وهو ما تسبب في مزيد من تراجع الطلب. 

◾ وذكر التقرير صراحةً أن "التضخم المرتفع أدى إلى عزوف العملاء"، بما يعني أن الأزمة لم تعد فقط في جانب الإنتاج أو التكلفة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.

◾ و تؤكد تقارير مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن "ستاندرد آند بورز جلوبال"  أن الطلبات الجديدة تراجعت لخمسة أشهر متتالية، وأن العملاء أصبحوا أكثر عزوفًا عن الشراء نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار.

◾ وكان من الممكن أن يكون أثر تراجع الطلب المحلي أقل حدة لو امتلك الاقتصاد قاعدة تصديرية قوية ومتنامية، ولكن تقرير البنك الدولي أظهر أن نسبة الشركات التي تقوم بالتصدير المباشر لا تتجاوز 4.8% فقط من إجمالي الشركات محل الدراسة، وهي نسبة منخفضة للغاية بالنسبة لاقتصاد بحجم مصر.

◾ لكن مرة أخرى الجميع ليسوا على قدم المساواة، حيث تظهر البيانات  فجوة كبيرة في قطاع التصدير، عند مقارنة الشركات بحسب الحجم؛ فبينما لا تتجاوز نسبة الشركات الصغيرة المصدّرة 1.9% فقط، ترتفع النسبة إلى 11.3% لدى الشركات المتوسطة، ثم تقفز إلى 33.3% لدى الشركات الكبيرة. 

◾ وهو ما يعني أن التصدير في مصر يُعدّ نشاطًا محصورًا إلى حد كبير في عدد محدود من الشركات الكبرى، بينما تعتمد أغلب الشركات الصغيرة والمتوسطة بصورة شبه كاملة على السوق المحلية.

◾ وتظهر الفجوة بشكل أوضح عند مقارنة الشركات حسب الحجم، فبينما لا تتجاوز نسبة الشركات الصغيرة المصدّرة 1.9% فقط، ترتفع النسبة إلى 11.3% لدى الشركات المتوسطة، ثم تقفز إلى 33.3% لدى الشركات الكبيرة.   وهذا يعني أن التصدير في مصر يظل نشاطًا محصوراً إلى حد كبير في عدد محدود من الشركات الكبرى.

◾ بينما تبقى أغلب الشركات الصغيرة والمتوسطة معتمدة بالكامل تقريباً على الطلب المحلي، ولا تمتلك قدرة كبيرة على التصدير أو الوصول بسهولة إلى التمويل، وبالتالي، فإن أي تراجع في إنفاق المستهلكين ينعكس عليها بشكل مباشر وسريع.

⭕  أين تتمركز الشركات الكبيرة؟

◾ بالنظر إلى قائمة أكبر 50 شركة في مصر من حيث القيمة السوقية وفق تصنيف مجلة فوربس في عام 2026، يظهر بوضوح التركيز القطاعي للنمو داخل الاقتصاد المصري.

 ◾ تضم القائمة 14 شركة في قطاع البنوك والخدمات والمدفوعات المالية، ونحو 14 شركة أخرى في قطاعات العقارات والإنشاءات والأسمنت والبنية التحتية، إضافة إلى 5 شركات تعمل في مجالات الأسمدة والبتروكيماويات والكيماويات الثقيلة، بينما يتوزع العدد المحدود المتبقي على بقية القطاعات الاقتصادية.

◾ ويكشف هذا التوزيع أن الصعود الاقتصادي يظل متركزًا داخل قطاعات محددة وشركات محدودة، بينما يبقى الجزء الأكبر من القطاع الخاص، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة، خارج دائرة النمو الحقيقي والتمويل والقدرة على التوسع.

◾ وحتى بعيدًا عن مؤشرات الأرباح والقيمة السوقية، فإن البيانات التي وفرها البنك الدولي تكشف أن هذا النمو لا يصاحبه بالضرورة تطور نوعي في بنية الاقتصاد المصري أو قدرته الإنتاجية.

◾ وفق التقرير، فإن 9% فقط من الشركات قدمت منتجات أو خدمات جديدة، بينما لم تتجاوز نسبة الشركات التي أدخلت ابتكارات تشغيلية أو تطويرات حقيقية في عملياتها 3.2% فقط.

◾ أما في جانب البحث والتطوير، فأظهرت البيانات أن 7.2% فقط من الشركات تنفق على أنشطة البحث والتطوير، ما يعني أن أكثر من 90% من الشركات لا تستثمر بصورة منتظمة في الابتكار أو التكنولوجيا أو تطوير المنتجات.

◾ وهو ما يعكس اقتصادًا يحقق فيه بعض الكبار أرباحًا مرتفعة داخل قطاعات محددة، لكنه لا ينجح بالضرورة في رفع الإنتاجية العامة أو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تنافسية. 

وفي المحصلة، لا يبدو أن الصورة اللامعة التي تعكسها أرباح عدد محدود من الشركات تمثل المشهد الاقتصادي بأكمله، بقدر ما تكشف فجوة متسعة بين نموٍ يتركز في القمة، وضغوط تتراكم في القاعدة.

آخر التحقيقات